ابن الجوزي
232
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ثم قتل والي مصر في أيام المهتدي ، فصار مستبدا بنفسه في أيام المعتمد ، وركب يوما إلى الصيد فلما طعن في البرية غاضت [ 1 ] يد دابة بعض أصحابه في وسط الرمل ، فكشف المكان فرأى مطلبا واسعا ، فأمر أن يعمل فيه ، فوجد فيه من المال ما قيمته ألف ألف دينار ، فأنفق معظم ذلك في البر والصدقة وبناء الجامع [ 2 ] ، وقال له وكيله يوما : ربما امتدت / إلى الكف المطوقة ، والمعصم فيه السوار ، والكف [ 3 ] الناعم ، أفأمنع هذه الطبقة [ 4 ] ؟ فقال له : ويحك ، هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، احذر أن ترديدا امتدت إليك . وحسن له بعض التجار التجارة ، فدفع إليه خمسين ألف دينار ، فرأى فيما يرى النائم كأنه يمشمش عظما ، فدعى المعبر فقص عليه ما رأى ، فقال : قد سمت عمة الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره . فاستدعى صاحب صدقاته ، وقال له : امض إلى التاجر ، وخذ [ منه ] [ 5 ] الخمسين ألف دينار ، وتصدق بها . ولما اشتد مرضه في علة الموت فخرج المسلمون بالمصاحف ، واليهود بالتوراة ، والنصارى بالأناجيل ، والمعلمون بالصبيان ، وكثر الدعاء في الصحراء والمساجد ، فلما أحسن بالموت رفع يده وقال : يا رب ، ارحم من جهل مقدار نفسه وأبطره حكمك عنه [ 6 ] . ثم تشهد وقضى في ذي القعدة من هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها . وكان عمره خمسين سنة ، وخلف ثلاثة وثلاثين ولدا منهم سبعة عشر ذكرا ، وترك عشرة آلاف ألف دينار ، وكان له من المماليك سبعة آلاف ، ومن الخيل على مربطه سبعة آلاف فرس ، ومن الجمال والبغال ستة آلاف رأس ، ومن المراكب [ 7 ] الخاصة ثلاثمائة ، ومن المراكب الحربية مائة مركب ، ومن الغلمان أربعة وعشرون ألفا ، وكان خراج مصر
--> [ 1 ] في الأصل : « جاست » . [ 2 ] في الأصل : « في البر والصدقات وبنى الجامع » . [ 3 ] في ك : « والكم الناعم » وكذا في ت . [ 4 ] في الأصل : « الوظيفة » وكذا في ت . [ 5 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل . [ 6 ] في الأصل : « حلمك » . [ 7 ] في الأصل : « الدواب » .